الغزالي

223

إحياء علوم الدين

والطهارة لها أربع مراتب المرتبة الأولى : تطهير الظاهر عن الأحداث وعن الأخباث والفضلات المرتبة الثانية : تطهير الجوارح عن الجرائم والآثام المرتبة الثالثة : تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة المرتبة الرابعة : تطهير السر عما سوى الله تعالى ، وهي طهارة الأنبياء صلوات الله عليهم والصديقين . والطهارة في كل رتبة نصف العمل الذي فيها ، فإن الغاية القصوى في عمل السر أن ينكشف له جلال الله تعالى وعظمته ، ولن تحل معرفة الله تعالى بالحقيقة في السر ما لم يرتحل ما سوى الله تعالى عنه ، ولذلك قال الله عز وجل * ( قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) * « 1 » لأنهما لا يجتمعان في قلب ، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه . وأما عمل القلب فالغاية القصوى عمارته بالأخلاق المحمودة والعقائد المشروعة ، ولن يتصف بها ما لم ينظف عن نقائضها ، من العقائد الفاسدة والرذائل الممقوتة ، فتطهيره أحد الشطرين وهو الشطر الأول الذي هو شرط في الثاني . فكان الطهور شطر الإيمان بهذا المعنى ، وكذلك تطهير الجوارح عن المناهي أحد الشطرين وهو الشطر الأول الذي هو شرط في الثاني ، فتطهيره أحد الشطرين وهو الشطر الأوّل ، وعمارتها بالطاعات الشطر الثاني ، فهذه مقامات الإيمان ، ولكل مقام طبقة ، ولن ينال العبد الطبقة العالية إلا أن يجاوز الطبقة السافلة ، فلا يصل إلى طهارة السر عن الصفات المذمومة وعمارته بالمحمودة ما لم يفرغ من طهارة القلب عن الخلق المذموم وعمارته بالخلق المحمود ، ولن يصل إلى ذلك من لم يفرغ عن طهارة الجوارح عن المناهي وعمارتها بالطاعات ، وكلما عز المطلوب وشرف صعب مسلكه وطال طريقه وكثرت عقباته ، فلا تظن أن هذا الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينا ، نعم من عميت بصيرته عن تفاوت هذه الطبقات لم يفهم من مراتب الطهارة إلا الدرجة الأخيرة التي هي كالقشرة الأخيرة الظاهرة بالإضافة إلى اللب المطلوب ، فصار يمعن فيها ويستقصى في مجاريها ، ويستوعب جميع أوقاته في الاستنجاء ، وغسل الثياب ، وتنظيف الظاهر ، وطلب المياه الجارية الكثيرة ، ظنا منه بحكم

--> « 1 » الانعام : 91